Wednesday, September 16, 2009

شنغهاي بيبي

شنغهاي بيبي

"إن اسمي هو نيكي غير أن كل أصدقائي يدعونني كوكو أسوة بكوكو شانيل، سيدة فرنسية عاشت حتى بلغت التسعين من عمرها. إنها نموذجي في الحياة، بعد هنري ميللر. كل صباح حين أفتح عيني أتساءل ما الذي يمكن لي أن أفعله كي أجعل نفسي مشهورة. لقد أصبح طموحي، وتقريبا سبب وجودي، أن أنفجر في المدينة مثل الألعاب النارية."

مثلما أصبح كل شيء في حياتنا مصنوعا في الصين، الأجهزة الكهربية والأدوات المنزلية والأدوات المكتبية، ومؤخرا الملابس الصينية والأثاث الصيني الذي أصبح يغزو المحلات حاليا، ومثل هذا الكيبورد الصيني الذي أكتب عليه الآن والذي يعلق به حرف الكاف، فما المانع أن نقرأ الأدب الصيني بالمرة لتكتمل الصورة؟!

لكن للحق فقد أثبتت لي هذه الرواية الصينية أنه ليس من الضروري أن يكون كل شيء صينيا رديئا!

لدينا هنا قطعة من الأدب الجميل والعميق والمسلّي أيضا. رواية شنغهاي بيبي للأديبة الصينية وي هيوي، التي ساندها الإعلام الصيني في بدايتها، ثم انقلب عليها بعد هذه الرواية، حيث توصف هيوي في الصين الآن بأنها كاتبة منحلة وعبدة للثقافة الأجنبية، وفي إبريل عام 2000 تم إحراق 40 ألف نسخة من هذه الرواية أمام الجمهور، ولعل هذا الحدث قد خدم الرواية إلى حد كبير جدا، فهو الذي دفع بالكاتبة إلى ذروة الاهتمام الإعلامي في العالم الغربي ودفع بالرواية إلى محاريب الترجمة في معظم أنحاء العالم، حتى أنها وصلت إلينا بالعربية هنا!

تحكي الرواية عن كاتبة تعمل على إنجاز رواية، وهي تيمة لطيفة – رغم أنها ليست جديدة – لأنها تجعل القارئ قريبا جدا من البطلة وتنمي لديه شعورا مُرضِيا بالتلصص على حياة البطلة/ الكاتبة، فأنت تعرف بالتأكيد أن مؤلفة هذه الرواية هي أيضا كاتبة تكتب رواية! وهكذا يحدث توحد بين البطلة والمؤلفة، والرواية والأحداث الحقيقية، وهذا يمنح الأمر مصداقية غير عادية، ويجعلها قريبة من روح السيرة الذاتية، والقراء دائما يحبون أن يقرءوا السير الذاتية!

وبلغة شاعرية، تنقلنا الراوية من تفاصيل حياتها ومشاكلها مع الرواية ومع حبيبها وأصدقائها وأهلها والناشرين، إلى مساحة أوسع هي مدينة شنغهاي التي تغلي بالتحول إلى العولمة، مع تركيز على التناقضات بين الحب والجنس، وبين القديم والحديث، والشرق والغرب.

يحتل الجنس جزءا لا بأس به من أحداث الرواية، فالراوية كوكو متحررة جنسيا إلى حد ما، تعيش مع "بوي فريند" في شقته، وفي نفس الوقت تخونه مع عشيق ألماني، ولا مانع لديها في ممارسة قبلة سحاقية مع مخرجة تجريبية، فالبطلة – المندفعة والمنطلقة والحائرة إلى أبعد الحدود – تريد أن تفجّر نفسها فعليا كألعاب نارية في سماء المدينة، تماما كما ذكرت في الفقرة الافتتاحية للرواية.

لكن الجرعة الجنسية في الرواية في الحقيقة لا تكفي لوصف الرواية بالإباحية، وليست مبررا لحرق 40 ألف نسخة منها في الصين، فهي أقل بكثير مثلا من روايات مثل الخبز الحافي لمحمد شكري، وشيكاجو لعلاء الأسواني.

كانت الترجمة العربية غير موفقة في كثير من مواضعها، فالمترجمة كثيرا ما تستخدم التعبير الإنجليزي (تُرجمت الرواية عن ترجمة إنجليزية للأصل الصيني) وتضعه كما هو وسط الكلام العربي بطريقة غريبة، فهي مثلا تقول "سكسي" بدلا من مثير، و"بوت" بدلا من حذاء، و"سفلس" بدلا من الزهري، مع كثير من اللبس في معاني الكلمات التي لها أكثر من معنى، مثل أن تقول "ذهبت إلى مكان فلان"، بينما تعني كلمة place هنا شقة وليس مكانا، وأشياء أخرى كثيرة جدا من هذا القبيل، حتى عنوان الرواية نفسه "شنغهاي بيبي" لم تتم ترجمته إلى العربية، إلا أن مسألة العنوان هذه يمكن أن نلتمس لها فيها العذر، فكلمة baby تحمل داخلها عدة معانٍ كلها واردة في الرواية، فيمكن مثلا أن تعني "طفلة شنغهاي" أو "حبيبة شنغهاي" أو "فتاة شنغهاي اللعوب"، لهذا كان الإبقاء على اللفظ الأجنبي موفقا، أما الكلمات الإنجليزية الكثيرة جدا في المتن فلم يكن لها مبرر وتنم عن كثير من القصور.

في النهاية نقول أن "شنغهاي بيبي" هي رواية تستحق القراءة، وبغض النظر عن شكل الترجمة وعن ماهية الأفكار التي تحملها، فإنها ستمنحك ساعات من القراءة المسلية والممتعة، وهذا هو جلّ ما يريده المرء من أي كتاب.

الكتاب: شنغهاي بيبي

المؤلفة: وي هيوي

المترجمة: ظبية خميس

عدد الصفحات: 286

تاريخ النشر: 2005

الناشر: منشورات الجمل

Post a Comment