Monday, May 03, 2010

تدمير مصر الجديدة 7: ممنوع التصوير

IMG_2114

في كل مرة كنت أخرج فيها في جولات التصوير هذه، كان يخرج لي من العدم أشخاص يطالبونني بعدم التصوير: عساكر شرطة، رجال أمن "سيكيوريتي"، أشخاص عاديون، سائقو سيارات أجرة، وأصحاب أكشاك الحلوى! كل شخص يحمل في فمه عبارة "ممنوع التصوير" كأنها علكة يريد أن يبصقها.

الكوربة (14)

لا أدري في الحقيقة ما مدى قانونية أو عدم قانونية التصوير في الشارع، وهل هو ممنوع حقا؟ ثم أن ما تم تصويره هو شيء موجود في الشارع ومتاح للنظر لعامة الناس وليس مناظر تندرج تحت بند الخصوصية الشخصية. وما أصلا فائدة منع أو عدم منع التصوير إذا كان من الممكن دائما رؤية كل شيء من أعلى عن طريق خرائط جوجل وجوجل إيرث وخدمة بانوراميو المرتبطة بها؟

ثم هل الحالة الأمنية عندنا أكثر استنفارا منها في أمريكا، بينما في أمريكا يمكنك أن تتحرك في الشوارع افتراضيا باستخدام خدمة Google street view لترى تفاصيل التفاصيل بشكل مذهل وفي كل الاتجاهات بزاوية 360 درجة؟

هل الأمر يتعلق بنوع من الغلاسة المصرية الأصيلة؟ ولماذا دائما ما ينظر الناس في مصر لحامل الكاميرا على أنه جاسوس؟

الكوربة (3)

في مرة اعترض عليّ صاحب كشك سجائر وأراد أن يطلب لي البوليس! مرتان يعترض عليّ عساكر شرطة، ومرة صرخ سائق سيارة مرّ من جانبي محذرا الناس من أن هناك شخصا يقوم بالتصوير! في مرة أخرى توقف سائق تاكسي بجانبي ونزل ليسلم عليّ بحرارة معتقدا أنني من التليفزيون وأنني أتيت لأجري لقاءات هنا! قلت له أنني من الصحافة فسلم عليّ مرة أخرى بحرارة معتقدا أنني سأصوره ليظهر في الجريدة، لكني مضيت وخيبت أمله!

في إحدى المرات اعترض شخص ما على قيامي بتصوير عقار، فادعيت أنني مهندس معماري، وعندها صارحني أنه مقاول، وأنه حاول كثيرا هو وصاحب العقار الذي التقطت له الصورة الحصول على ترخيص بهدم هذا العقار لكنه لم يقدر! هنا تأكد لي تماما وجود مافيا سرية تدور في الشوارع لتسعى لشراء وهدم هذه العقارات. هذا يفسر أيضا لماذا هناك عقارات كثيرة جدا تحمل لافتة أن "العقار ليس للبيع"، وذلك من كثرة الذين يسعون إلى شرائه وهدمه. مشكلة هذه العقارات أن قيمتها عالية جدا بحكم موقعها لكنها لا تدر أي إيراد في الغالب لأنها مؤجرة وفقا لقانون الإيجارات القديم، ومعظم هذه الشقق يتراوح إيجارها بين 4 و6 جنيهات! يكون الحل في قيام شخص ثري – عربي الجنسية غالبا – بشراء العقار ودفع مبالغ مالية تتراوح بين مائة ومائة وخمسين ألفا من الجنيهات لكل ساكن ليترك المكان، ثم يستصدر قرارا بالهدم في هذه الأيام المفترجة ثم ترخيصا آخر ببناء البرج، ولأن معظم هذه العقارات لها حدائق كبيرة جدا فإن هذا يعطي الفرصة للبرج ليكبر أكثر. بالطبع كلما كان العقار "أقصر" كلما كان عدد السكان أقل وصار الأمر يتطلب أموالا أقل لإخراجهم وأموالا أقل للهدم تمهيدا لظهور البرج "الأطول".

للأسف لا يوجد توثيق لهذه المباني ولا لأشكالها ولا للزخارف التي تمتليء بها. إن ما فعلته هنا هو نوع من المجهود الفردي لمحاولة حفظ جزء صغير من هذا التراث. كنت أتمنى لو كان لدي جهاز GPS مع نوع من الـ Geotagging حتى أستطيع تحديد مكان التقاط كل صورة بسهولة، حتى إذا ما مررنا من هذا المكان مرة أخرى ورأينا البرج الجديد استطعنا أن نتذكر ماذا كان يوجد هنا.

الكوربة (17)

إن ما كتبته هنا على مدى عدة أسابيع لا ينطبق على مصر الجديدة فقط، لكن على مصر كلها، من مدنها الكبيرة وحتى أصغر النجوع فيها والتي صارت كلها في غاية التشوّه والقبح. لكن مصر الجديدة بالذات كانت أقل مناطق الجمهورية تأثرا بهذا الأمر، حتى سنوات قليلة مضت حين صدر حكم المحكمة الدستورية العليا الذي تحدث عنه المحافظ. إنني كلما شاهدت فيلما مصريا قديما من أيام الأبيض والأسود أخذت أتفرس في الشوارع والبيوت وأتعجب كيف كانت مصر بهذا الجمال الفائق والمريح للأعصاب، حتى مناطقها الفقيرة وقراها ونجوعها كانت تتمتع بالجمال واتساقها مع البيئة المحيطة.

في وقت ما من المستقبل، حين تظهر في هذا البلد سلالات أخرى جديدة لديها نوع من الفهم ونوع من الوعي ونوع من الإحساس بالجمال، سيحاكمنا هؤلاء الأحفاد على غبائنا وتخلفنا وعلى ما صنعناه، وعلى ما كان يجب أن نحافظ عليه من أجلهم لكننا بدلا من ذلك هدمناه. كل ما أوده هو أن يقال أن واحدا حاول أن يفعل شيئا لكنه فشل.

Post a Comment