Saturday, March 20, 2010

تدمير مصر الجديدة!

كسّر يا عم الحاج

هناك شيء غامض يحدث في مصر الجديدة.

هناك حركة نشطة جدا للهدم والبناء. تقريبا لا يوجد شارع لا توجد به أعمال بناء لأبراج ضخمة ذات أحد عشر دورا، ولا أدري لماذا يمنح الحي تراخيصا بأحد عشر دورا بالذات، وليس 10 أو 12 مثلا. هذه الأبراج – التي أعتبرها واحدة من أسوأ الاختراعات التي أوجدها الإنسان – تحجب السماء وتصنع تلوثا بصريا وتسبب مشاكل لا حصر لها على النحو الذي سأبينه حالا.

إن ما يحدث الآن في مصر الجديدة هو عملية تدمير لتراث معماري رائع لا يمكن أن يتكرر، فمصر الجديدة التي بنيت منذ مائة عام التزمت بطراز معماري متفرد يجمع بين المعمار الهندي والبيزنطي والإسلامي في مزيج واحد، الأمر الذي أنتج مجموعة هائلة من المباني المميزة رائعة الجمال والتي تتناسق مع بعضها بعضا، كما أن قوانين الحي الأصلية تمنع البناء على أكثر من 60% من مساحة الأرض، مع ترك المساحة الباقية كحديقة للمبنى. بالطبع لا تلتزم الأبراج الجديدة بهذه القواعد، حيث يتم البناء على مساحة 100% من الأرض دون ترك سنتيمتر واحد. يرتفع البرج الهائل كخازوق وسط العمارات الصغيرة، وغالبا ما يتم دهان واجهته الأمامية فقط مع ترك الواجهة الخلفية والأجناب على الطوب الأحمر دون تبييض.

برج بذيء آخر

إن ما يفعله برج كهذا أيضا هو أنه يجذب للسكن أعدادا هائلة من الأسر الغنية القادرة على الدفع ويكدسهم في مساحة صغيرة جدا من الأرض - بخلاف الأنشطة التجارية المزعجة التي تفتح في الأدوار السفلية. هذه الأسر التي تنتمي إلى طبقة معينة يمتلك كل منها سيارتين على الأقل، وهكذا تمتليء الشوارع فجأة بسيارتهم وتنشأ مشاكل الزحام والاختناقات المرورية وعدم وجود أماكن كافية لصف هذه السيارات، كما أن هذه الأسر تقوم بتركيب تكييفات في جميع غرف المنزل، وبالتالي يمثلون ضغطا كبيرا على شبكات الكهرباء في المكان، تلك الشبكات الغير مصممة أصلا لتحمل كل هذه الأحمال فتبدأ الأعطال وانقطاعات التيار، ناهيك طبعا عن مشاكل الضغط على شبكات المياه والصرف الصحي، وهكذا ينتهي الحال بالحي إلى التدهور المستمر.

ويستطيع صاحب العين المُلاحِظة اللبيبة – بخلاف ملاحظة عمليات البناء المستمرة في الحي - أن يرى أن هناك الكثير جدا من العمارات التي أخليت من سكانها، وتم نزع شيشان وزجاج نوافذها تمهيدا لبدء عمليات الهدم.

فيلا أخرى يتم تغطيتها تمهيدا للهدم

أضف إلى كل هذا أن الحي يقوم من آن لآخر بهدم أجزاء من الأرصفة لتوسيع نهر الشارع، بما يتضمنه هذا من اقتلاع لأشجار الرصيف، لتضاف هذه المساحات الخضراء المفقودة إلى حدائق العمارات المهدومة التي يتم اقتلاع أشجارها لتوفير كامل مساحة الأرض لبناء الأبراج، وبالتالي ينتهي الأمر بالمكان إلى المزيد والمزيد من القبح.

IMG_1976

إذا استمر الأمر هكذا ففي خلال 10 سنوات فقط ستتكرر مأساة حي المهندسين في مصر الجديدة، فنفس ما يحدث الآن من هدم للعمارات الصغيرة الجميلة والنهوض مكانها بأبراج هائلة تكرر في المهندسين في عصور سابقة، فاليوم تحوّل السير في حي المهندسين إلى عذاب مقيم، حيث لا يوجد موقع لقدم واحدة ولا حتى لعجلة سيارة. بمعنى آخر نحن لا نتعلم أبدا من أخطائنا، والغريب أننا نعيش على مساحة 5% فقط من أرض مصر، بينما الأراضي مترامية الأطراف من حولنا، لماذا إذن لا نبني في مكان آخر بدلا من تدمير تراثنا؟

لاحظ تناقض البرج مع طراز العمارة الصغيرة بجواره، لاحظ أيضا أن البناء يتم على كامل مساحة الأرض

هذه صرخة لإنقاذ آخر ما تبقى من تراثنا المعماري الجميل. من فضلكم أنقذوا ما تبقى من حي مصر الجديدة من التدمير.

عمليات الهدم مستمرة

Post a Comment