Friday, September 23, 2005

وحدي مع دفتر العناوين

نظرت فى دفتر عناوين الأوتلوك، فوجدت 336 عنوانا بريديا! هل أنا أعرف فعلا 336 شخصا وقد أرسلت لكل منهم على الأقل رسالة واحدة خلال الأعوام القليلة الماضية منذ بدأت تعاملي مع الإنترنت؟
إن هذة فرصة طيبة لنر إلامَ وصلت قائمة أصدقاء الماسنجر، دقيقة لأنظر، ها هى، 132 اسما! لا عجب أن كثيرين يسلمون علىّ وأنا متصل بالإنترنت دون أن أتذكرهم، ورغم أنهم يتضايقون كثيرا لعدم تذكرى محادثاتنا السابقة، بينما أنا فى الحقيقة لا أتذكر من هم هؤلاء الأشخاص أساسا، فإننى أيضا معذور، فكيف أتذكر كل هذة الأسماء المستعارة والحقيقية والعناوين البريدية لكل هؤلاء الأشخاص الذين لم أقابلهم أبدا من قبل؟
ليس من عادتى التخلص من الكراكيب أولا بأول كما يفعل البعض، ولديّ ضعف خاص تجاه التخلص من الأوراق بالذات، لذا فلديّ حتى الآن دفتر التليفونات الذى كنت أستعمله فى المرحلة الإبتدائية! ودفتر الإعدادية والثانوية والكلية أيضا، بالإضافة إلى الدفتر الذى أستعمله حاليا. ولا أعرف كم اسما صار يقبع هناك فى ذاكرة ذلك الجهاز العجيب المسمى بالموبايل، لكني أعتقد أنهم زهاء المائة، ومعظم هذة الأسماء غير مدونة فى الدفتر.
لديّ أيضا بلوك نوت صغير كنت أكتب فيه العناوين البريدية للأشخاص الذين كنت أراسلهم. كان هذا قبل انتشار البريد الإلكترونى الذى قضى تماما على كل أثر للمراسلات الجميلة المكتوبة باليد، والتى كنا نشترى لها الأظرف المزخرفة بالرسومات الفرعونية – إذا كان الخطاب مرسلا إلى دولة أجنبية – حتى نثبت مدى أصالة الحضارة المصرية، ونضع عليها الطابع الذى يحمل صورة القناع الذهبى لتوت عنخ آمون، ونظل ننتظر لشهر أو أكثر حتى نرى ردا! كل هذا انتهى الآن، لكن دفتر العناوين لازال موجودا هو الآخر.
حسنا، ماذا يمكن أن أفعل إذا أردت أن أقول "كل سنة وأنت طيب" لكل واحد من هؤلاء فى العيد، وكم من الوقت يستغرق هذا الأمر؟ فحتى إذا أردت أن أكتفى بمجرد رسالة إيميل أو SMS فإن كل هذة الأسماء ستستغرق وقتا طويلا جدا. ثم كيف أحتفظ بعلاقة، حتى ولو كانت فى حدها الأدنى، بكل هذا العدد من الأشخاص؟ بل ولماذا أحتفظ بكل هذة العلاقات أصلا؟!
فبالتقليب فى هذة الأسماء المدونة لديّ، وجدت أن القليل جدا منهم أصدقاء حقيقيون، بينما الكثير منهم أشخاص يستحقون الحرق بجاز! وحيث أن الجاز قد ارتفع سعره مع ارتفاع أسعار المنتجات البترولية، فالحل الأرخص هو شطب هذة الأسماء! وحاولت بالفعل مع دفتر عناوين الأوتلوك، واستطعت مسح سبعة وثلاثين اسما لأشخاص تذكرت أنهم فى غاية الغلاسة، لكن ظل 299 اسما مع ذلك، ولازال الرقم كبيرا، ومعظمهم أشخاص لا أتذكرهم وأخشى أن أمسح عناوينهم فأحتاج إليها بعد ذلك.
من المعروف أن تطور بعض الاتجاهات التكنولوجية يؤدى إلى تأخير تطور اتجاهات أخرى تتعارض معها. مثلا، فإن تطور وسائل الاتصال يؤدى إلى تخلف تطور وسائل النقل، فإذا كنا نستطيع أن ننجز أعمالنا دون أن نتحرك من أماكننا فلا داعى للاستثمار فى مجال تطوير النقل، وبالعكس فإذا كنا نستطيع أن نقطع آلاف الكيلومترات فى دقائق معدودة فإن تطور وسائل الاتصال يصبح غير ضرورى، وهكذا.
كم باعدت بيننا ثورة وسائل الإتصالات، فبينما عرّفتنا على أشخاص لم نكن لنعرفهم لبعد المسافة المكانية والجغرافية، لكنها باعدت بيننا وبين الأقربين إلينا، وتحول أصحابنا ومعارفنا إلى مجرد أسماء فى دفاتر أمامها أرقام وحروف وعلامات @ و .com و .net، مجرد أسماء لأشخاص نظن أننا نعرفهم، بينما نظل فى وحدتنا، وحدنا.
لأنيس منصور كتاب بعنوان (وحدى مع الآخرين). عندما طبع الكتاب فوجىء بأن الناشر قد غير الاسم إلى (وحدى ومع الآخرين). ظن الناشر أن هناك شيئا ما خطأ، لكن أنيس منصور كان يقصد أن يصف كيف يشعر بالوحدة حتى وهو وسط الناس. واليوم ورغم تحول العالم إلى قرية صغيرة فإننا لا نزال نشعر بالوحدة، وتحولت علاقتنا ببعضنا إلى علاقات وهمية قائمة على الشاشة ولوحة المفاتيح وأزرار الموبايل دون دفء التواصل الحقيقى، دون أن نتصافح ونشد على أيدي بعضنا ونربت على الأكتاف فنشعر أننا لسنا وحدنا فى هذا العالم الواسع القاسى.

Post a Comment