Friday, October 21, 2005

سحر الحكاية


كان الأمير يتناول إفطاره عندما جرح أصبعه بالسكين. سال دم الأمير الأحمر وسقط فى وعاء اللبن الأبيض، فتكون لون وردى عجيب. توقف الأمير عن الأكل ولم يهتم حتى بتضميد إصبعه وأخذ يحدق فى الوعاء مذهولا. التفت الأمير إلى والده الملك وقال: هل ترى يا والدى هذا اللون؟ لقد قررت أن أتزوج من فتاة تكون لبشرتها هذا اللون بالضبط، لن أتوقف عن البحث عنها حتى لو جبت كل البلاد، وحتى لو أنفقت عمرى كله فى البحث. وبالرغم من محاولات الملك لاثنائه عن فكرته المجنونة، إلا أن الأمير صمم على رأيه وقد استحوذت هذه الفكرة على كل كيانه، فخرج وحيدا مع حصانه وبعض المؤن، ليبحث عن فتاة أحلامه فى طول البلاد وعرضها.
فلنترك الآن الأمير فى مشكلته، ودعونى أسألكم هذا السؤال: هل استطعت أن أجذب انتباهكم للقراءة حتى استطعتم أن تصلوا إلى هذه النقطة دون أن تشعروا بالملل؟
بالطبع استطعت! وليست هذه براعة مني لكنه سحر الحكاية، واسألوا الأمهات ماذا تفعلن عندما تردن أن تسكتن الأطفال، إنهن تحكين لهم حكاية‍ فيسكتون على الفور!
كانت الحكاية السلاح الذى أنقذت به شهرزاد نفسها من الموت، لم تنقذ نفسها بسيف أو رمح أو ترس، وإنما ظلت تحكى لشهريار الحكاية تلو الحكاية، وشهريار جالس مثل الطفل مسحور بالأحداث الغريبة والأشياء العجيبة التى تحدث لأبطال القصص. كل حكاية كانت تزيد فى عمر شهرزاد ليلة أخرى. وبعد ألف ليلة وليلة أنهت شهرزاد الحكايات ودخلت على شهريار بأولادها الثلاثة "واحد يمشى وواحد يحبو وواحد يرضع" كما يقول النص، فأعتقها إكراما لهؤلاء الأولاد الذين أنجبهم منها على ما يبدو دون أن يدرى من وهم الحكايات التى كان غارقا فيها!
أتذكر أننى قرأت الجزء الأول من كتاب ألف ليلة وليلة، وهو كتاب يربو على 550 صفحة من القطع الكبير والخط الصغير بدون تقسيم الجمل إلى فقرات أو وضع فواصل أو نقط، وبلغة عربية عتيقة صعبة، فى يومين فقط لاغير. وكنت لا أفعل شيئا طيلة اليوم سوى قراءة الكتاب لا أتركه إلا لقضاء ضرورة لابد منها! كنت أسيرا لسحر الحكاية.
تقول الكاتبة الجميلة سلوى بكر فى أحد مقالاتها، أنها لم تستطع سوى أن تختلس قصة مدينة النحاس لكامل الكيلانى فى حقيبة المدرسة، فقد كان البطل لايزال فى بداية مدينة النحاس وحصة القراءة انتهت، ولايمكن أن تظل واقفة عند باب المدينة حتى الإسبوع القادم! تقول سلوى بكر: "بسبب مدينة النحاس، دخلت السكة التى يروح منها الإنسان ولايعود، وهى سكة القراءة وحب الكتب".
هناك أيضا آلاف المسحورين فى المنازل، الذين يتابعون حكاية مسلسل الثامنة يوميا ولا يفوتون منه حلقة، وبغض النظر عن مستوى مسلسلات التليفزيون، فإن المشاهدين لا يعرفون إن كان المسلسل جيدا أم سيئا إلا بعد انتهاء الحلقة الأخيرة!
وكم أسَرَنا كُتّاب بقصصهم المسلية، يجعلوننا مقيدين بسحر الحكاية لا نستطيع منهم فكاكا ولا نعرف لحكاياتهم آخر. وكم يدفع الناس فى السينما "ليشاهدوا" الحكاية. وكم يجلسون بجوار الراديو "ليسمعوا" الحكاية. الكتب السماوية نفسها تمتلىء بالحكايات. وسنظل أبدا نقع أسرى الحكاية الجميلة، وإلا فاعترفوا: ألا تريدون أن تعرفوا ماذا حدث للأمير بعد ذلك؟
Post a Comment